|
الشارقة: جاكاتي الشيخ ظلت أنواع الخطوط العربية المتعددة مساحة مفتوحة للفنانين، لإثبات قدراتهم الفنية، من جهة، وإثبات الخصائص الجمالية اللامتناهية للخط العربي من جهة أخرى، فظل بعضهم ممسكاً بزمام الحرف يُطوّعه متى ارتأى ضرورة فنية لذلك، مقدّماً هذا الفن في قوالب عابرة للزمان والمكان، حتى لم يعد للمطّلعين عليه شك في أنه من أعظم الفنون البشرية، ومن هؤلاء الفنان السوري المبدع أنور الحلواني. يعرف أنور الحلواني بشغفه لنمط الخط العربي التقليدي، فهو مؤمن بتفرده وقدرته على تقديم المزيد من القيم الجمالية، رغم كونه خريج قسم الكرافيك في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلب، حيث كان بإمكانه التوجه إلى تنفيذ أعماله على الكمبيوتر، بحكم التخصص الأكاديمي، أو الدخول إلى مجال الحروفية بحكم تمكنّه من الفن التشكيلي، إلا أنه اختار الإبداع في هذا الفن الأصيل، فتجلّى في لوحاته تميز أسلوبه الذي يُبرز أثر اجتهاده في تطويع الأدوات الفنية لإنجاز رؤية خاصة، من أجل أن تتناغم عناصر العمل في التكوين المُخطَّط له، فيطبع أعماله بهيئات المسارات المنحنية والدائرية، ويساوي المسافات بين الحروف، ويزن تموضع الكلمات، وغالباً ما يُنوّع لون الحبر في الكتابة، ويبتكر شكل التصميم، وكأنه ينقل الدقة الآلية في التنفيذ الهندسي إلى تمكُّن بشري، يُظهر ما يتمتّع به هذا الكائن من قدرة على الإبداع في فنونه، ليخرج الشكل في انضباط، وتناسق فني يضع المشاهد أمام أبهى جماليات الخط العربي، كما يظهر في اللوحة التي بين أيدينا. اختار الحلواني بيتاً من بردة البوصيري الشهيرة التي تفيض محبة في مديح رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ليكون نصّاً للوحته الخطية، وهو الذي يقول فيه: هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ * لِكلِّ هَوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَمِ، حيث يستذكر الشفاعة الكبرى التي خصّ الله جلّ جلاله بها رسوله الكريم، وقد كتبه فناننا بخط الديواني الجلي، الذي يبرز في أعماله أنه يراه من أكثر الخطوط مناسبة لكتابة هذا الشكل من النصوص المسترسلة الطويلة، والتي تتعدد مقاطعها، فيستغل تشابه بعض الحروف في هيئتها ليحقق تنوع مساراته، وهو ما يتيح تجسيدها في قالب جمالي بديع، لأن هذا الأسلوب الخطي يستمد جماليته من عدة خصائص مميّزة، منها استدارة حروفه، وتقويسها، وتداخلها، وكثرة العلامات الزخرفية التي تملأ الفراغات بينها، وهي مميزات قد تكون على حساب سهولة قراءة المتلقي للوحة أحياناً، حتى إنه قد يصعب التمييز بين بعض حروفها، إلا أنها تكسبه هيئة جمالية خاصة، بالإضافة إلى أن هذا الخط قابل لتنويع التصاميم، كما نرى في التكوين الذي اختاره الحلواني للوحته هذه. صمّم الحلواني لوحته في تكوين من جزأين، في أربع كُتَل، خصّص كل جزء منهما لأحد شطرَيْ البيت الشعري، ففي الأول كتب في الكتلة الكبرى «هُوَ» بحجم صغير لاجتذات انتباه المشاهد، ثم كتب «الحَبيبُ» بحجم كبير، مُكوِّراً الباء الأخيرة في مسار بارز نصف دائري، لمنح الكلمة شحنتها المعنوية التي أراد الشاعر إيصالها حول حبّ الرسول الكريم، وكتب «الذي»، و«تُرْجَى» مركّباً بعضهما على بعض في حضن باء «الحبيب» المُكوَّر، ليُشوّق المشاهد إلى المَرْجُوّ، وهو «شَفَاعَتُهُ» التي كتبها في كتلة صغرى أعلى الكتلة الكبرى الأولى، أما في الجزء الثاني، فكتب في الكتلة الكبرى كلمات: «لِكلِّ»، و«هَوْلٍ»، و«مِنَ»، و«الأهوالِ» مُركّباً بعضها على بعض حسب تسلسلها، لاشتراكها في الدلالة، فيما كتب «مُقْتَحَمِ» في كتلة صغرى أعلى الكتلة الكبرى الثانية، للإشارة إلى صفة ما دلت عليه كلمات الكتلة السابقة. ولا يفُوت المشاهد التماثل المُحكم الذي أحدثه الفنان في الكتلة الكبرى الأولى بين حاء «الحبيب» وجيم «تُرجى»، وهو ما فعله كذلك مع كل الحروف الممدودة في الكتلتين الكبيرتين، كما شكّل بالمسارات الدائرية المنبثقة من الكتلتين تناظراً بصرياً كاشفاً للروح الصوفية التي يعكسها النص، بالإضافة إلى تناسق الألوان المختارة، وما تبعثه في النفس من ثقة وارتباط وعطاء جمالي لا محدود. ولد الخطاط السوري أنور الحلواني في مدينة حلب السورية سنة 1966م، وتعلم فن الخط العربي منذ سنوات دراسته الأولى، وهو خريج كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في جامعة حلب، درّس الخط في مدارس ومعاهد الرياض في السعودية، ومركز الفنون التشكيلية في سلطنة عمان، وفاز في مسابقات عديدة في المجال، من بينها مسابقة ملتقى المدينة المنورة الدولي المعاصر سنة 2013م، وحصل فيها على الجائزة الأولى، ومسابقة البردة في أبوظبي سنة 2007م التي حصل فيها على مكافأة تقديرية، كما نال عدة جوائز ومكافآت في مسابقات أرسيكا، والحلية الشريفة بإسطنبول، وقد أقام عدة معارض محلية وشارك في أخرى دولية، كملتقى الشارقة في عدة دورات، ومعرض خاص بالديواني الجلي في مركز دبي لفن الخط العربي 2016، ومعرض بيت العقيد في دبي، ومهرجان بغداد للخط العربي في دورتيه التاسعة والعاشرة، كما أسهم بإنجاز العديد من اللوحات الخطية المميزة، وعلّم هذا الفن للكثير من الشباب الهواة. الكاتب:
مراقبة التحرير والنشر بتاريخ: الثلاثاء 01-04-2025 10:11 مساء
الزوار: 17 التعليقات: 0
|